الفيض الكاشاني

127

الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )

--> - بخارجة عن قضاء اللَّه تعالى وإرادته ، فكيف فإنّ تفويض أمر العزم إلى العبد إنّما هو بقضائه ومشيّته ؟ وعلى ما ذكر في الأصل الثاني لابدّ أن يكون بغير طريق الإلجاء تصحيحاً لأمر التكليف وتوابعه . الوصل الثاني : إن قيل على ما ذكر في قضاء اللَّه تعالى ومشيّته كان العصيان والقبايح الصادرة من العبد أيضاً على وفق قضاء اللَّه سبحانه ومشيّته ، فكيف يكون العبد مؤاخذاً بها ؟ قلنا : تعلّق قضائه - جلّ شأنه - بها ليس بالحتم والإلجاء ؛ بل بطريق التسبيب بأن جعل من جملة أسبابها تفويض العزم إلى اختياره وهو الجزء الأخير من العلّة التامّة كما دريت مراراً . وتعلّق مشيّته سبحانه بها وبسائر الشرور التي تقع في العالم ليس بالذات وبالأصالة ؛ بل بالعرض وبتبعيّة الخيرات المقصودة بالأصالة التي تلك الشرور والمعاصي من لوازمها كما يشير إليه منطوق ( سبقت رحمتي غضبي ) ، فلا محذور . وممّا يشعر بالذي ذكرته من تفويض أمر العزم إلى العبد ومن معنى تعلّق قضاء اللَّه تعالى وإرادته بالمعاصي ، ما رواه صالح النيلي ، قال : سألت أبا عبداللَّه عليه السلام : ( هل للعباد من الاستطاعة شيء ؟ إلى حيث قال ، ثمّ قال عليه السلام : ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير ، ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً . قلت : فعلى ماذا يعذّبه ؟ قال : بالحجّة البالغة والآلة التي ركّبها فيهم ، إنّ اللَّه لم يجبر أحداً على معصيته ، ولا أراد - إرادة حتم - الكفر من أحد ، ولكن حين كفر كان في إرادة اللَّه أن يكفر وهم في إرادة اللَّه وفي علمه أن لا يصيروا إلى شيء من الخير . قلت : أراد منهم أن يكفروا ؟ قال : ليس هكذا أقول ، ولكنّي أقول : علم أنّهم سيكفرون ، فأراد الكفر لعلمه فيهم وليست إرادة حتم إنّما هي إرادة اختيار » ، انتهى . [ الكافي ، ج 1 ، ص 162 ، ح 3 ] . وقد أوردت لهذا الحديث شرحاً وافياً في تعليقاتي على الجزء الأوّل من كتاب الوافي في باب الاستطاعة ومن أراد ، فليرجع إلى هناك . فإن قيل : إنّ العبد في نفسه ليس شيئاً ؛ فإنّ وجوده وسائر ما يتعلّق به إنّما هو بفعل اللَّه تعالى وجوده حتّى أن يفوّض أمر العزم إليه إنّما هو من قبله كما قلت ، فبأي شيء من ذاته يصدر العزم والترجيح عنه بحيث لا يكون ذلك الشيء بفعل اللَّه تعالى . قلت : الشيء الذي في ذاته مستند عزمه وترجيحه للفعل أو الترك إنّما هو المناسبة الذاتيّة التي هي غير مجعولة بجعل جاعل ؛ فإنّ الجعل والخلق عبارة عن إفاضة الوجود للماهيّات المتنوّعة المتفاوتة بالذات وليس عبارة عن جعل الماهيّة ماهيّة ، فتدبّروا . وهاهنا دقيقة أخرى يفرق بها بين الخيرات والمبّرات وبين الشرور والمعاصي وهي : أنّ الخيرات الصادرة من الأبرار بالاختيار ، وإن كانت مستندة إلى المناسبة الذاتيّة كالشرور والقبائح الصادرة عن الأشرار ، ولكن آثار تلك المناسبة في الأخيار ، إنّما هي باعتبار أمور وجوديّة وهي الملكات والصفات الكماليّة التي بإفاضة الوجود إلى الشخص يتعلّق الوجود إليها أيضاً ، فبالحقيقة هذه الصفات الكماليّة وآثارها إنّما هي بمحض التفضّل . وأمّا القبائح والمعاصي ؛ فإنّها مستندة إلى الأعدام الذاتيّة وبإفاضة الوجود على الشخص يظهر آثارها ، وبهذين المعنيين يشعر ما ورد في الأخبار أنّ اللَّه تعالى أولى بالحسنات الصادرة عن العبد منه ، والعبد أولى بسيئاته من اللَّه . وإن كان صدور الجميع لا يتيسّر إلّابتيسيره وتمشيته - جلّ وعزّ - ، كما رواه في باب الجبر والقدر من كتاب الوافي عن أبيالحسن